السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

47

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

أصابعه ، لأن انفجار الماء من اللحم والدم لم يسبق له نظير لا من طريق المعجزة ولا من غيرها ، لذلك فإنه أعظم من انفجاره من الصخرة التي ينفجر الماء منها عادة كما هو مشاهد ، قال تعالى « وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ » وذلك لأنهم سئموا من أكل المنّ والسلوى وشرب الماء بلا تعب ولا عمل ، وسمّوها واحدا مع أنهما اثنين ، لأنه لا يتبدل ، فكان بمنزلة الواحد « فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها » البقل يشمل كل الخضراوات المأكولة « وَقِثَّائِها » يدخل فيه الخيار والبطيخ وأنواعهما « وَقَوْمَها » الحنطة وسائر الحبوب التي تخبز فهو كالجنس لمثلها ، ولا وجه لتأويله بالثوم المعروف ، لأنه داخل في قوله تعالى ( وَبَصَلِها ) الذي هو كالجنس أيضا يدخل فيه الثوم والكراث والبصيل وغيرها ، وكذلك يقال فيما قبله وبعده ، لأن اللّه تعالى ذكر أمهات الأشياء استغناء عما تفرع عنها « وَعَدَسِها » يعم كافة الحبوب التي تطبخ كالماش والهرطمان والرز وغيرها « وَبَصَلِها » يدخل فيه كل ذي رائحة كريهة كالبراصية والكرنب وشبهها « قالَ » لهم موسى عليه السّلام « أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى » أخس وأحقر مما لم يمكن الحصول عليه إلا بكدّ وكدح « بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ » أحسن وأطيب ، وتتناولونه عفوا بلا تعب ، وإذا كنتم تصرون على هذا « اهْبِطُوا مِصْراً » من الأمصار ، وهذا الفرق بين مصر بلا تنوين علم على المدينة المعلومة والقطر المخصوص ، وعلى مطلق بلدة بالتنوين ، فإذا أردت الأول منعت من الصرف ، وإذا أردت الثاني صرفت « فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ » من ذلك في أي بلدة تقصدونها « وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ » الفاقة أحاطت بهم من كل جانب ، لأنهم بمجرد دخولهم البلدان احتاجوا إلى الكد والجهد ، وتذللوا لغيرهم لتحصيل معاشهم ، وتمسكنوا لينالوا ما يقوتهم . ولا وجه لمن فسّرها بالجزية ، لأنها لم تضرب عليهم ، إلا أن اليهود كانوا ولا يزالون شديدي الحرص على المال ، ولذلك تراهم أذلاء يتكالبون على جمعه يأتي طريق كان ولو كانوا أغنياء « وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ » رجوعهم بالغضب وانطباعهم على الذل وحب المال لسوء عقيدتهم وفساد نيّتهم وتكالبهم على الدنيا